كان حزنه أبلغ من حروفه، فتكلمت دموعه

رواها 360
اسماعيل الصنوي
كان يحمل قلماً يقطر حبراً أسودَ، ويحمل قلباً يقطر وجعاً أشد سواداً. جلس أمام ورقتهُ البيضاء كما يجلس المغامر أمام بحرٍ مجهول، يحاول أن يجد الكلمات التي تستطيع أن تُحاصر ذلك الحزن الذي يتسع في صدره كظل الليل. كتب كلمةً فشحبت، وكتب أخرى فجفت، وكأن الحروف ترفض أن تحمل ثقل ما في داخله. لكن الجسد يعرف لغةً أصدق. فبينما كانت يده تتلكأ فوق السطور، كانت عيناه تترجمان ما يعجز اللسان عن قوله. نزلتِ الدمعة الأولى كأنها كلمة منسية من قاموس الروح، ثمّ تلتها أخرى… فتحول الصمت إلى خطاب مرتجل، والبياض إلى مخطوطة مبللة بلغة أقدم من البشر. في تلك اللحظة، أدرك أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى حروف تنقش، بل إلى مشاعرٍ تنزف. كان حزنه قصيدةً مكتوبةً بماء العيون، وقصةً تروى بدون صوت. لقد وجد أخيرًا أبلغَ تعبيرٍ عن الألم: حين تتحول المشاعر إلى طقسٍ صامتٍ… يُرى ولا يُسمع، يُحس ولا يُوصف.
ومع كل كلمة كتبتُها هنا، وأنا أعرف أن الألم الذي لا يُوصف هو ما يجمعنا كبشر أكثر مما يفرقنا. شكراً لكل عينٍ قرأت هذه السطور وشعرت بنبضها. جبر الله كل قلبٍ انكسر ذات يوم، وعافى كل روحٍ بحثت عن كلماتٍ فوجدت الصمت أبلغ منها. أحبكم في صمتكم، وأحترم جراحكم التي لا تحتاج إلى شهادات كي تكون حقيقية. قد نكون غرباء، لكننا في عمق الإنسانية، ننتمي إلى ذات اللغة: لغة ما لا يُقال…






